قرأته عشرين مرَّة!

في زيارة بإحدى المدن الأمريكية إذ كنت أفتقد أسرة قلت لأحد الأحباء: "في أي الأسفار المقدسة تقرأ؟" أجابني: "لست أقرأ في الكتاب المقدس، فقد قرأت العهد القديم حوالي عشرين مرة، أما العهد الجديد فبلا عدد. إني أعرف كل الوصايا الواردة في الكتاب المقدس وأيضًا القصص الخ."
صمتُّ قليلاً ثم قلت له: "لقد قرأ إنسان عبارة واحدة، وبقي يقرأها أكثر من 85 سنة ولم ينتهِ من قراءتها!"
- من هو هذا الإنسان؟
- أنبا أنطونيوس.
- أيَّة عبارة؟
- دخل الكنيسة وهو شاب صغير لم يبلغ الثمانية عشرة من عمره وسمع قول الرب: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل مالك ووزعه على الفقراء وتعال اتبعني". سمع القول وأدرك أنها رسالة شخصية موجهة إليه. بقي يقرأ العبارة ويحاول أن يتممها طول عمره، فإذا بالوصية واسعة جدًا، وكأنه يردد قول المرتل: "لكل كمالٍ رأيت حدًا أما وصاياك فواسعة جدًا".
كتابنا لا يُقرأ لكي يُحفظ عن ظهر قلب، ولا لمجرد التعرف على الوصايا والقصص الدينية، إنما يُقرأ لكي يلتقي المؤمن بكلمة اللَّه المخلص والصديق، يدخل معه في حوار حب، ويتمتع بالحياة معه.
نقرأ الوصية لنمارسها لا كعملٍ أخلاقي بحت، وإنما لكي نصير أيقونة المسيح، نصير على صورته، ونتحلى بسماته، تتزين نفوسنا بغنى نعمته فتتهيأ كعروسٍ لعريسها السماوي.
ليكن كتابك مفتوحًا أمام عينيّ،
أقرأه بقلبي لأعيش به،
أراك مختفيًا وراء الحروف،
ألتقي بك وأتعرف عليك.
أعرفك فأحبك،
أحبك فأتحد بك!
روحك القدوس ينير عينيْ قلبي،
ويجتذبني إليك فأجري نحوك.
أشهد لك ليتمتع الكل بك!
ابتسمت مرثا وربتت بيدها على كتفيْ لوسي، وقالت لها:
- لا تتضايقي يا لوسي...
- كيف لا أتضايق؟ هل تحسبينني بلا مشاعر؟ أو بلا كرامة؟
- إني أحبك، وأعلم أنكِ مرهفة المشاعر جدًا ورقيقة للغاية... لكنني أردت أن أكشف لكِ عن أمرٍ خطيرٍ يمس حياتك.
- ماذا تقصدين؟
- إن كنتِ قد حسبتي هدِيتي هذه إهانة، فأنتِ إذن تهينين اللَّه كل يوم.
- كيف؟
- تقضين أفضل أوقاتك في الدراسة ومع الأصدقاء وفي راحة الجسد ومشاهدة المسلسلات التليفزيونية والإنترنت، وأخيرًا قبل أن تنامي وأنتِ مرهقة جدًا تقدمين من فضلات وقتك دقائق للصلاة وقراءة الكتاب المقدس. إنك تهينين اللَّه، كأنه لا يستحق إلاّ الفضلات من وقتك واهتماماتك. هذه هي هديتك للَّه الذي يحبك ويعتز بك كابنة له، ويطلب نفسك كعروسٍ سماوية.
- ماذا أفعل الآن؟
- اذكري أن الآب قدَّم لكِ ابنه البكر فدية عنكِ، فهل تبخلين عليه ببكور وقتك واهتماماتك. والكلمة الإلهي نفسه "أخلى نفسه آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 7-8).
قدَّمت لي يا سيدي ذاتك هدية،
فماذا أُقدم لك؟
تسألني أن أقتنيك لكي تقتنيني.
لكنني في غباوتي أُقدم لك فضلات حياتي،
أبخل عليك ببكور وقتي، وإضرام مواهبي لحسابك.
قدَّمت لي سمواتك مسكنًا لي،
وجعلت خليقتك السماوية أصدقاء لي وأحباء.
فأهلني لتسكن أنت فيّ،
وتقيم ملكوتك السماوي في داخلي.
أحببتني أولاً،
هب لي أن أحبك فوق الكل!
هب لي أن أُسلمك قلبي وفكري وأحاسيسي!
